ابراهيم بن عمر البقاعي

52

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الخرق لا سيما مع التعبير ب « من » دون « في » ، وكذا قوله في السماء وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ واللّه الموفق . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 6 إلى 10 ] ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) . ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق ، ثم عالم الأرواح والأمر ، فدل ذلك على شمول القدرة ، وكان شامل القدرة لابد وأن يكون محيط العلم ، كانت نتيجته لا محالة : ذلِكَ أي الإله العالي المقدار ، الواضح المنار عالِمُ الْغَيْبِ الذي تقدمت مفاتيحه آخر التي قبلها من الأرواح والأمر والخلق . ولما قدم علم الغيب لكونه أعلى ، وكان العالم به قد لا يعلم المشهود لكونه لا يبصر قال : وَالشَّهادَةِ من ذلك كله التي منها تنزيل القرآن عليك ووصوله إليك الْعَزِيزُ الذي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء . ولما كان ربما قدح متعنت في عزته بإهمال العصاة قال : الرَّحِيمُ أي الذي خص أهل التكليف من عباده بالرحمة في إنزال الكتب على السنة الرسل ، وأبان لهم ما ترضاه الإلهية ، بعد أن عم جميع الخلائق بصفة الرحمانية بعد الإيجاد من الإعدام بالبر والإنعام . ولما ذكر صفة الرحيمية صريحا لاقتضاء المقام إياها ، أشار إلى صفة الرحمانية فقال : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ولما كان هذا الإحسان عاما ، خصه بأن وصفه - على قراءة المدني والكوفي - بقوله : خَلَقَهُ فبين أن ذلك بالإتقان والإحكام ، كما فسر ابن عباس رضي اللّه عنهما من حيث التشكيل والتصوير ، وشق المشاعر ، وتهيئة المدارك ، وإفاضة المعاني ، مع المفاوتة في جميع ذلك ، وإلى هذا أشار الإبدال في قراءة الباقين ، وعبر بالحسن لأن ما كان على وجه الحكمة كان حسنا وإن رآه الجاهل القاصر قبيحا . ولما كان الحيوان أشرف الأجناس ، وكان الإنسان أشرفه ، خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية بالأنفس كما قام قبل بالآفاق ، فقال دالا على البعث : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ أي الذي هو المقصود الأول بالخطاب بهذا القرآن مِنْ طِينٍ أي مما ليس له أصل في الحياة بخلق آدم عليه السّلام منه . ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل على هذه الصورة بهذه المعاني أمرا هائلا ، أشار إليه بأداة البعد في قوله : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ أي ولده الذي ينسل أي يخرج مِنْ